أصدر المعهد الوطني للإحصاء يوم 5 سبتمبر مؤشر أسعار الاستهلاك لشهر أوت، ليعلن عن صعود التضخم إلى 5.4% بعد أن كان في حدود 5.1% خلال جويلية.
الرقم يسجل منحنى صاعداً. فالمعدل العام للأشهر الثمانية الأولى لسنة 2026 استقر عند 5.2% (مقابل 5.3% لكامل سنة 2025). هذا يعني عملياً أن مسار التراجع الذي بدأ من 10.4% سنة 2023 قد اصطدم بجدار الـ 5%، وتجمد هناك لعشرة أشهر متتالية.
لكن العبرة في أدبيات الاقتصاد السياسي لا تكمن في "الرقم المعلن"، بل في تفاصيل التفاصيل:
**ما هي الكلفة الحقيقية لإبقاء التضخم عند هذا المستوى؟ ومن يدفع الفاتورة فعلياً؟**
يكشف الجدول التفصيلي للأسعار حسب نظام التسعير عن مفارقة صارخة: مؤشر المواد الغذائية الحرة بلغ 246.9، بينما لم يتجاوز مؤشر المواد المؤطرة (المسعّرة) 121.7 (باستعمال سنة 2015 كسنة أساس = 100).
ترجمة ذلك إلى لغة القفة التونسية بسيطة ومباشرة: ما كان يشتريه المواطن من غذاء حرّ بـ 100 دينار في 2015 أصلح يتطلب اليوم 247 ديناراً، في حين أن السلة المؤطرة لم تتجاوز 122 ديناراً. سلة تضاعفت قيمتها مرة ونصف في 11 سنة، وأخرى كُبحت قسراً.
أين المشكل إذن؟
المشكل يكمن في وزن كل سلة داخل الميزانية العائلية (حسب بيانات المعهد نفسه): المواد الحرة تمثل 21% من إنفاق العائلة، بينما لا تتجاوز المواد المؤطرة 5%. أي أن سياسة التجميد الحالية لا تحمي سوى خُمس ما تأكله العائلة التونسية، وتترك الأربعة أخماس المتبقية تحت رحمة السوق.
**تجميد المؤشر.. لا حماية القفة**
لو تركنا المواد المؤطرة تتحرك بنفس ديناميكية المواد الحرة (6.5%)، لقفز التضخم المعلن فوراً إلى 6.5% بدلاً من 5.4%. هذا يعني أن سياسة تجميد ربع السلة الغذائية تقتطع نقطة كاملة من "العنوان العريض" للتضخم.
النتيجة: الدولة تشتري بهذه السياسة تجميداً للمؤشر يستفيد منه المظهر الخارجي، بينما لا يحصل المواطن عملياً إلا على حماية جزئية لـ 5% فقط من سلة الاستهلاك.
وهذا الرقم ليس شأناً داخلياً فحسب، بل هو مقياس يُقرأ بدقة في تقارير المؤسسات المالية الدولية ووكالات الترقيم السيادي لتقييم مخاطر الإقراض. النقطة التي تُسقطها سياسة التجميد تُقرأ في "واشنطن ونيويورك"، أما خُمس السلة المحمي فيُقرأ في "القفة". والنتيجة الاقتصاديّة واحدة في الحالتين.
**دعم يُدار بالدين.. وفوائد تتجاوز التنمية**
هذه "الحماية" لها ثمن مباشر ومسطر في الرائد الرسمي.
في الجدول (ت) من قانون المالية لسنة 2026، خُصصت لبرنامج التجارة الداخلية اعتمادات دفع بقيمة 4134 مليون دينار (تغطي دعم المواد الأساسية ونفقات التسيير).
وفي نفس القانون، نقرأ حدود الهامش المالي للدولة: نفقات قدرها 63575 مليون دينار مقابل مداخيل بـ 52560 مليوناً. الفارق (أي العجز الذي يُمول بالدين) يبلغ 11015 مليون دينار. ولتغطية ذلك، جرى الترخيص لاقتراض داخلي بـ 19056 مليون دينار، مقابل 6808 ملايين دينار خارجي.
ولأن الدين لا يأتي مجاناً، فقد بلغت نفقات التمويل (فوائد الدين) في ميزانية 2026 ما قدره 7208 ملايين دينار. وفي نفس الجدول، لم تتجاوز نفقات الاستثمار 6463 مليون دينار.
**الخلاصة المرّة: الدولة التونسية تدفع لخدمة فوائد الديون أكثر مما تستثمر في مستقبل أجيالها.**
بالتأكيد، لا يذهب الدين كله للدعم، ولا نتحامل بالقول إن الفوائد هي كلفة الدعم وحدها. لكن بلغة الحساب المباشر المقسم على 3.472.188 أسرة تونسية (حسب تعداد 2024):
* اعتمادات التجارة الداخلية (ومنها الدعم) تعادل 99 ديناراً شهرياً لكل أسرة.
* فوائد الدين تعادل 173 ديناراً شهرياً على كل أسرة.
* العجز المالي يعادل 264 ديناراً شهرياً لكل أسرة.
هذه الفوائد لا تسدد من العدم. يدفعها المواطن من ضريبة الاستهلاك ومن دخله، ويدفعها المستثمر الذي تُزاحمه الدولة في الاقتراض البنكي، ويدفعها العاطل عن العمل في اقتصاد عاجز عن النمو. إنه نموذج يقبض فيه المواطن الدعم بيد، ويسدد أصله وفوائده باليد الأخرى.
**آثار جانبية للسياسة العمومية: تشويه الأسواق**
كما أنّ توجيه الدعم للسلعة لا للأسرة يجعل التوزيع غير عادل بطبعه؛ فالغني والسائح والمؤسسة ينتفعون برغيف الخبز المدعوم بنفس قدر انتفاع العائلات المفقرة. دعمٌ يُسدد بضرائب أثقلها يقع على الأجور والاستهلاك.
يضاف إلى ذلك أثر أعمق على هيكل الإنتاج: حين يُثبت مؤشر السلعة المؤطرة عند 121.7 بينما ترتفع كلفة إنتاجها مع المؤشر العام للأسعار (197.3)، ينحسر هامش ربح المنتج. النتيجة الاقتصادية الحتمية هي: إما عزوف عن الإنتاج، أو تسريب السلعة نحو مسالك البيع الحر. هذا تشويه هيكلي ناتج عن "تصميم الأداة"، ولا يتطلب أي سوء نية ليحدث.
**التهاب الأسعار الطازجة: السلسلة المفقودة**
أين ينفجر الضغط إذن؟ ينفجر في السلة غير المجمدة.
تظهر بيانات المنتجات الفلاحية الطازجة ارتفاعاً سنوباً بـ 11.7% (الدواجن 16.5%، الغلال 15.2%، لحوم الضأن 14.7%، الأسماك 10.9%، الخضر 8.2%).
ورغم أن هذه المنتجات لا تمثل سوى 13.9% (نحو السُبع) من سلة الاستهلاك، إلا أنها تصنع وحدها نقطتين من أصل 5.4 نقاط في نسبة التضخم العام. سُبع السلة يولد أكثر من ثلث التضخم!
هذه سلع ذات سلسلة إنتاج قصيرة ومحلية، لا تخضع للتصنيع ولا بالتسعير الإداري. وهنا تحديداً تغيب السياسة العمومية للتحكم في حلقات التخزين، اللوجستيك، والوساطة التجارية.
**تآكل القدرة الشرائية بالأرقام الصريحة**
على الجانب الآخر من المعادلة، ارتفع الأجر الأدنى المضمون (نظام 48 ساعة) من 338 ديناراً سنة 2015 إلى 554.7 ديناراً في 2026 (زيادة بـ 64%).
في المقابل:
* المؤشر العام للأسعار ارتفع بـ 97%.
* مؤشر الغذاء الحر (الذي يمثل 80% من طعام العائلة) ارتفع بـ 147%.
بالدينار المباشر: العائلة التي كانت تنفق 100 دينار سنة 2015 على الغذاء الحر، تحتاج اليوم 247 ديناراً لشراء نفس الكمية، بينما لم يرتفع أجرها الأدنى إلا ليغطي 164 ديناراً لنفس القيمة. الثلث الضائع من القفة لا يمكن لتجميد خُمس الغذاء أن يعوضه.
**خيارات الإصلاح الصعبة: لا وجود لوجبة مجانية**
أمام هذا الواقع، تخلو الخيارات من الوعظ والحلول السهلة، وتقف الماليّة العمومية أمام ثلاثة سيناريوهات بديلة بكلفة واضحة:
1. التحول من دعم السلعة إلى الدعم النقدي المباشر للأسرة: يضمن وصول الدعم لمستحقيه، ويغلق منافذ التهريب والمضاربة بتوحيد السعر. شرطه الناجز: سجل اجتماعي محين ومدقق. وبدون هذا الشرط، يتحول الإصلاح مجرد اقتطاع غير معلن للقدرة الشرائية.
2. الاستثمار في السلسلة الفلاحية اللوجستية: تركيز الجهود على البنية التحتية للتخزين وتنظيم مسالك التوزيع. كلفة هذا الخيار: غياب النتائج السريعة الفورية، ومواجهة اللوبي المستفيد من ريع الوساطة.
3. شفافية البيانات المالية: نشر مؤشرات فرعية تفصيلية حسب شرائح الدخل، مع جدول دوري يعلن مستحقات صندوق الدعم والالتزامات المؤجلة. كلفته الوحيدة هي جعل "المستحق المؤجل" مرئياً للرأي العام، وهو ما تتفاداه الممارسة السياسية عادة.
**خاتمة**
قد يجد البعض في سياسة التجميد الحالية ملاذاً لتفادي الشوك الاجتماعي المباشر على المدى القصير، لكن الحساب الاقتصادي خالي من العواطف: ما يكسبه المواطن في خُمس سلة الاستهلاك، يخسره أضعافاً في الميزانية العامة (173 ديناراً فوائد دين مقابل 99 ديناراً دعماً موجه)، ويخسره تراجعاً في الاستثمار العمومي، وتآكلاً مستمراً في قدرته الشرائية.
تجميد الأسعار يخفّض مؤشر التضخم بنقطة واحدة، ويحمي خُمس الطعام في القفة، والثمن فاتورة باهضة تُسدد من اقتصاد البلاد على مدى أجيال.
انور معروف

