بعد تجربتين قصيرتين في أحزاب سياسية، لم تدم كل منهما سوى بضعة أشهر، وبحكم نشاطي في المجتمع المدني منذ سنة 2013، في إطار الدفع نحو تطوير منظومة الحوكمة السياسية، بما في ذلك النظام السياسي والقوانين الانتخابية والقوانين الأساسية التي تنظم الحياة العامة، إضافة إلى انخراطي في تنظيم والمشاركة في التحركات الميدانية، من ذلك اعتصام القصبة سنة 2011، واعتصام الرحيل سنة 2013، ومئات الوقفات والمسيرات... دفاعًا عن المبادئ والقيم الديمقراطية، وعن الحقوق والحريات، وعن الحق الفلسطيني، تسنّى لي بناء علاقات متينة قوامها الثقة المتبادلة مع جلّ الفاعلين المدنيين والسياسيين، إضافة إلى عدد من الخبراء والأكاديميين في مجالات مختلفة.
وبحكم نزوعي اللامتناهي وإصراري التيتاني على تكريس القيم والمبادئ التي تسكنني، وإيماني الراسخ بأن العمل الجماعي هو السبيل الأفضل لتحقيق تقدّمات حقيقية، وتغيير الواقع والتأثير في التوازنات الكبرى داخل الواقع الاجتماعي والسياسي، عملت، بعد 25 جويلية 2021، على التشبيك بين مختلف الفاعلين، وتقريب وجهات النظر، ورأب الصدوع التي أنهكت المشهد السياسي، وأفقدت النخب السياسية، والنخب بصفة عامة، مصداقيتها وثقة جزء مهم من التونسيات والتونسيين.
ورغم أنني لم أشارك في منظومات الحكم في أي من الفترات السابقة، فقد انخرطت في اتصالات ولقاءات مع مختلف الفاعلين السياسيين من أجل النضال ضد الاستبداد واستعادة المسار الديمقراطي، مع تلافي أخطاء الماضي.
في المقابل، آثر عدد من الوجوه التي لم تُستهلك سياسيًا وإعلاميًا الابتعاد عن الاختلاط بالمشهد، حفاظًا على رصيد «النقاوة» واستعدادًا للعب أدوار في الفترات القادمة. والحقيقة أنه لا أدوار قادمة لأي طرف معارض لسلطة الاستبداد ما لم نسترجع أولًا مواطنتنا وحقوقنا المنتهكة.
كنت وراء تأسيس عدد من المبادرات السياسية والمدنية للمعارضة التونسية، لعل أهمها الشبكة التونسية للحقوق والحريات سنة 2024، وتحرك «نَفَسْ» سنة 2026، مع الحرص دائمًا على البحث عن التقاطعات الموضوعية بين المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمستقلين، وبين مختلف التيارات السياسية.
إيمانًا مني بأن الاستبداد لا يفرّق بين هذا وذاك، وأنه لن يكون هناك أي تغيير حقيقي ما لم يقم الجميع بتقييم أدائهم وإجراء مراجعات حقيقية، مع تأجيل خلافاتهم وتحويلها إلى تنافس سياسي مشروع في إطار نظام ديمقراطي.
ولكي يتبين للجميع أن ما أقوم به اليوم في إطار ائتلاف صمود وتحرك «نَفَسْ» لا علاقة له بأي طموح سياسي شخصي، أعلن على شرفي أمام الرأي العام أنني أتعهد بعدم الترشح لأي من الانتخابات القادمة، محلية كانت أو بلدية أو تشريعية أو رئاسية، سواء كانت هذه الأخيرة في إطار المنظومة الحالية، أو بعد أي تغيير قد يحصل في الساحة السياسية ويمكّننا من تنظيم انتخابات نزيهة وشفافة في إطار نظام ديمقراطي.
ولعلّ إعلاني هذا يخفف من حدة هواجس وتخوفات عدد من الصديقات والأصدقاء الذين يقرأون كل فكرة أقدمها، وكل مبادرة أو تحرك أساهم في إنجاحه، وكل تصريح إعلامي أو اتصال بطرف فاعل في الفضاء العام أقوم به، على أنه تهديد لمستقبلهم السياسي.
المرحلة اليوم هي مرحلة نضال وتصدي لمنظومة الاستبداد، والعمل المشترك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في وطن مثقل بالأوجاع، فقد أهله الأمل.
الأولوية اليوم هي إنقاذ اقتصادنا الوطني وإطلاق سراح كل المظلومين، واستعادة الحقوق والحريات، وتهيئة شروط الانتقال إلى نظام ديمقراطي حقيقي.
فلنترك الحسابات السياسوية جانبًا، فالوضع لا يحتمل.
تعالوا نلتقي في ساحات النضال.
حسام الحامي

