كيف أعاد نظام سعيّد ترتيب مصالح البنوك، على حساب المجتمع والاقتصاد؟
اقتصاد 22 أوت 2026

كيف أعاد نظام سعيّد ترتيب مصالح البنوك، على حساب المجتمع والاقتصاد؟

بقلم: ameurayed

تَكشِف بيانات البنك المركزي التونسي عن تحوّل تدريجي في وجهة الائتمان البنكي، مع تنامِي موارد البنوك الموجّهة إلى تمويل الدولة، في وقت يتباطأ فيه تمويل الاستثمار الخاص وبعض أصناف القروض الموجّهة إلى الأسر. وبينما تُعزّز الدولة حضورها كمقترضٍ رئيسي من الجهاز البنكي تَضِيق هوامش التمويل المتاحة للمؤسسات، ما يطرح سؤالًا حول إعادة ترتيب تدريجية لعلاقات النفوذ داخل المنظومة المالية، تجعل البنوك لاعبًا أكثر مركزية في توزيع الموارد، رغم الخطاب السياسي للسلطة حول محاربة نفوذ المال والأعمال. 

وفي هذا السياق، جاء تنقيح قانون الشيكات عدد 41 لسنة 2024، الذي دخلَ حيّز النفاذ في 2 فيفري 2025، ليُعيد الشيك إلى وظيفته القانونية الأصلية كوسيلة دفع، بعدما كان يُستخدم عمليًا كأداة ائتمان يَعتمِد عليها التجار وأصحاب المهن الحرة والمؤسسات الصغرى والمتوسطة. وبإلغاء الشيك المؤجّل، أُزيلت إحدى الآليات التي كانت تسمح لهذه الفئات بتأجيل الدفع وتدبير حاجياتها من السيولة وتعويضها بآلية جديدة لتمويل المؤسسات من خلال قروض الشرف. 

وقد ضَبط الأمر عدد 148 لسنة 2026، المؤرخ في 23 جويلية الماضي، شروط الانتفاع بقروض الشرف وسقوفها، حيث نصّ على تمويل يصل إلى 25 ألف دينار للمؤسسات الاقتصادية الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية، و10 آلاف دينار لأصحاب المشاريع الصغرى، و5 آلاف دينار للأفراد لتمويل حاجيات الاستهلاك من دون فوائد. كما ألزمَ بتوجيه ما لا يقلّ عن نصف اعتمادات هذا الخط إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية. غير أن قدرة هذه الآلية على الاستجابة لحاجيات التمويل تظل موضع سؤال، خصوصًا بالنسبة إلى المؤسسات التي كانت تَستخدم الشيكات المؤجلة لتغطية حاجيات تَفُوق هذه السقوف أو لتأجيل خلاص مزوّديها. 

الدولة الحريف الأكثر جاذبية للبنوك

تُبين بيانات البنك المركزي التونسي المنشورة في تقرير الإحصائيات الصادر في جويلية 2026 مجمل التحولات التي طرأت على اتجاهات التمويل البنكي، إذ سَجّلت القروض المتوسطة وطويلة الأجل، وهي القروض المرتبطة عادة بتمويل المشاريع والاستثمار، نموًا محدودًا لم يتجاوز 0.19% خلال سنة 2025، مقابل ارتفاع القروض قصيرة الأجل الموجهة للتصرف الجاري بنسبة 5.83%. كما عرفَ تمويل الصناعات التحويلية تراجعا طفيفا، إذ انخفضت القروض متوسطة وطويلة الأجل الموجهة لهذا القطاع من 7312 إلى 7309 مليون دينار. أما بالنسبة إلى الأُسَر، فقد أخفى النمو المحدود في إجمالي قروض الأفراد (1.64%) تحولات داخلية مهمة، إذ تراجعت قروض السكن التي تمثل أحد أبرز أشكال التمويل طويل الأجل، بنسبة 1.26%، في حين ارتفعت قروض الاستهلاك قصيرة الأجل بنسبة 6.04%.

هذه المؤشرات، وفق قراءة الخبير المحاسب المختص في الشأن البنكي سفيان الوريمي، ”تعكس تراجعًا في القروض الموجهة للاقتصاد الحقيقي، سواء لفائدة المؤسسات أو الأفراد، في مقابل استمرار جاذبية تمويل الدولة بالنسبة للبنوك، باعتباره تمويلًا أقل مخاطرة وأكثر ضمانًا مما يُشير إلى تحول في طبيعة القروض نحو آجال أقصر، على حساب التمويلات المرتبطة بالاستثمار والمشاريع الإنتاجية”.

ووفق البيانات الواردة في التقرير المذكور سابقًا واصلت المنظومة البنكية خلال سنة 2025 لعب دور المموّل الرئيسي للمالية العمومية، إذ ارتفَعَ حجم توظيفاتها في سندات الخزينة إلى 33.231 مليار دينار مقابل 19.313 مليار دينار سنة 2023، أي بزيادة تناهز 72% خلال عامين، كما ارتفعت حصة تمويل القطاع العام من إجمالي أصول البنوك إلى 27.6% مقابل 24.7% سنة 2024. ويعكس هذا المنحى تنامي اعتماد الدولة على السوق البنكية المحلية لتغطية احتياجاتها التمويلية، في مقابل تقلص الحيز المتاح لتمويل الاقتصاد الحقيقي.

ويعتبر الوريمي في مقابلة لـ”المفكرة القانونية” أنّ ”أثَر هذا التحوّل كان أكثر وضوحًا بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المهن الحرة والتجّار، الذين كانوا يعتمدون إلى جانب القروض البنكية على الشيكات المؤجلة كآلية ائتمان فرضتها طبيعة المعاملات الاقتصادية في تونس”. غير أنّ تراجع استعمال هذه الآلية بعد تنقيح القانون لم يُرافِقه، وفق تقديره، توسّع في عروض التمويل البنكي أو توفير بدائل ائتمانية قادرة على الاستجابة لحاجيات هذه الفئات، ما عَمّقَ صعوبات النفاذ إلى التمويل.

ويرى الوريمي أنّ الإشكال لا يتعلّق فقط بإلغاء الشيك المؤجل كوسيلة ائتمان، بل أيضًا بمدى قدرة الإجراءات المرافقة التي أقرّها القانون على سدّ هذا الفراغ. فتخصيص نسبة 8 بالمائة من مرابيح البنوك لفائدة “القروض على الشرف” التي تُمنَح من دون اشتراط ضمانات، يعكس بلا شكّ إدراك المشرّع لوجود صعوبات في نفاذ الأفراد وأصحاب المشاريع الصغرى إلى التمويل البنكي التقليدي، ومحاولة توفير آلية بديلة لتعويض جزء من الدور الذي كانت تؤديه الشيكات المؤجلة. ولكنّ هذا الإجراء، الذي بدأ تطبيقه أخيرا بعد صدور الأمر المنظم له، لا يكفي لحلّ الإشكال. فالمبلغ الجملي يقارب 120 مليون دينار، نصفها يُخَصّص للمؤسسات الصغرى والمتوسطة والشركات الأهلية (البقية للأفراد). وباحتسَاب الحدّ الأقصى للقرض على الشرف، أي 25 ألف دينار، فإنّ الإجراء سيشمل حوالي 2400 مؤسّسة فقط، أي أنّ تأثيره على توجّهات التمويل وعلى النشاط الاقتصادي سيكون محدودًا.

في المقابل اتجه التمويل البنكي نحو الدولة، بخاصة عبر الاكتتاب في رقاع الخزينة، والذي أصبح خيارًا أكثر جاذبية من الناحية المصرفية، باعتبار مَا يُوفّره من ضمانات ومخاطر أقل مقارنة بتمويل المؤسسات والأسر. ويُحذّر محدثنا من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من التضييق على النفاذ إلى التمويل، ويؤثر في قدرة المؤسسات المنتجة على الاستثمار والتوسع، بما ينعكس على دينامية الاقتصاد الخاص.

تجفيف منابع التمويل أمام المؤسسات الصغرى والمتوسطة

بدوره يرى عبد الرزاق حْوَاص، الناطق الرسمي باسم الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة، أنّ ”المؤسسات الصغرى والمتوسطة، إلى جانب التجار وأصحاب المهن الحرة ومقدمي الخدمات، رغم وزنها داخل النسيج الاقتصادي وقدرتها على خلق مواطن الشغل، لا تحظى بالأولوية نفسها التي تمنَحها البنوك للمؤسسات العمومية أو للفاعلين الاقتصاديين الأكبر حجمًا”.

وكشَفَ تقرير أعدّته الجمعية الوطنية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة حول هيكلة القروض البنكية والاقتراض الحكومي في تونس بين 2023 و2025 حجم إقراض البنوك للدولة مقارنة بالأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسط، فقد قَفزَ الاقتراض الداخلي الجديد للدولة من 13.245 مليار دينار سنة 2023 إلى 23.204 مليار دينار سنة 2024، بنسبة نمو استثنائية بلغت 75.2%، قبل أن يتراجع بشكل طفيف إلى 21.819 مليار دينار سنة 2025. 

هذه الزيادة، التي فاقت 10 مليارات دينار خلال سنة واحدة فقط، لم يُقابِلها سوى نموّ هامشي في إجمالي القروض الجديدة الموجّهَة لكامل الاقتصاد، لم يتجاوز 3.2 مليار دينار خلال نفس الفترة، أي أن الدولة استحوذت على الحصّة الأعظم من كل سيولة (M3) إضافية دخَلَت السوق البنكية وفق ذات المصدر.

ويلاحَظ هذا التباين في نسبة نمو الاقتراض بالنسبة للقطاعين العام والخاص، إذ ارتفع نمو قروض المؤسسات العمومية من 13.1% سنة 2024 إلى 14.7% سنة 2025، مقابل نمو محدود لقُروض المؤسسات الخاصة بلغ 1.5% في 2023 و2024 قبل أن يرتفع إلى 2.3% سنة 2025. وفي المقابل، تراجَع نموّ قروض الأفراد من 3.1% سنة 2023 إلى 1.7% سنة 2025، وفق ذات التقرير.

إصلاحات تُعيد ترتيب استفادة البنوك 

لا يَبدو “التعويل على الذات” الذي ترفَعه السلطة في مجال التمويل مرادفًا للخروج من دائرة المديونية بقدر ما يعني تغيير مصدر الاقتراض. فبدل الاعتماد أساسًا على المُقرِضين الخارجيين تتّجه الدولة بصورة متزايدة إلى تعبئة الموارد من السوق المحلية والجهاز البنكي. وقد أصبحَت المديونية الداخليّة تُمثّل نحو ثلاثة أرباع إجمالي الدين التونسي في 2025، بعد أن كانت حصتها في حدود 67 بالمائة سنة 2023. فحين تحصل البنوك المحلية على موارد بالعملة الأجنبية عبر النظام المالي والبنك المركزي، ثم توظفها في تمويل الدولة، فإنها لا تؤدي دور الوسيط فقط، بل تحصل في المقابل على عائدات الفائدة المرتبطة بهذه القروض. وبذلك تتحول عملية “التعويل على الذات” إلى علاقة مالية يكون فيها جزء من الموارد العمومية موجّهًا في النهاية إلى خدمة الدين والفوائد المستحقة للمؤسسات المالية المحلية.

وهنا تظهر المفارقة، في الوقت الذي تُقدَّم فيه تعبئة الموارد المحلية كبديل عن اللجوء إلى الدائنين الخارجيين لا تختفي كلفة الاقتراض وإنما يُعاد توزيعها داخل الاقتصاد. فالدّولة تُحافظ على قدرتها على الاقتراض، والبنوك تَضمن توظيفًا لمواردها في مقترض سيادي، بينما تتحمّل المالية العمومية كلفة الفوائد وإعادة السداد. وفي المقابل تجد المؤسسات الصغرى والمتوسطة والأسر صعوبات في النفاذ للتمويل. 

وتتصل هذه السياسة بالتصور النقدي الذي يتبناه نظام الرئيس سعيد في مقاربته للتضخم، إذ يضع التحكم في التضخم والسيطرة على الكتلة النقدية في صلب خطابه السياسي، متجاهلًا الطابع المستورد لجزء مهم من التضخم التونسي، المرتبط بكلفة الطاقة والغذاء والمواد الأولية وتبعيّة الاقتصاد للأسواق الخارجية. وفي هذه الحالة يصبح رفع كلفة الائتمان أداة محدودة الأثر على مصادر التضخم الفعلية، لكنه شديد التأثير على توزيع التمويل، فارتفاع الفائدة وتشدّد شروط الإقراض يدفعان البنوك إلى تفضيل المقترضين الأقل مخاطرة، أي الدولة والمؤسسات الكبرى، على حساب الأسر والمؤسسات الصغرى والمتوسطة.

ويتكامل ذلك مع تنقيح قانون الشيكات الذِي روّجت له السلطة بوصفه إعادة الشيك إلى وظيفته التقليدية، غير أن هذا التحوّل يعني عمليًا أيضًا إعادة إدخال جزء من عمليات التمويل التي كانت تتم خارج الوساطة البنكية إلى المجال المصرفي. فالائتمان الذي كان يجري بين المؤسسات والأفراد عبر الشيكات المؤجلة، من دون أن يمرّ بالضرورة عبر قرض مصرفي وما يترتب عنه من فوائد، أصبح يفترض البحث عن بدائل تمويلية تمرّ عبر البنوك. وبذلك تُوسّع الأخيرة نفوذها على قنوات التمويل، وتُفتَح أمامها مجالات جديدة لتحصيل الفوائد والعوائد المالية. في المقابل، تدّعي السلطة محاربة رأس المال الفاسد وتفكيك مراكز النفوذ وملاحقة رموز المال والأعمال، بينما تظل السياسات المالية والنقدية في خدمة رأس المال البنكي والمالي، ومراكز النفوذ الاقتصادي المتشابكة معه. 

تكشف هذه التجربة التشريعية والاقتصادية الماثلة أمامنا عن كُلفة الرؤية الأحادية في صياغة السياسات المالية والاقتصادية في تونس، في ظلّ سلطة تقبض على مختلف مفاصل القرار وتُهمّش الأجسام الوسيطة والشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين. فعوضًا أن تلعب التشريعات المالية والاقتصادية دورا في تقليص الانكماش وجلب موارد جديدة للاقتصاد والمجتمع، فإنها تُثبّت واقع اللاعدالة واللامساواة، وتعزّز عدم تكافؤ الفرص في النفاذ للموارد والمعلومات. كما أنّها تحصر توزيع الموارد في دائرة تزداد ضِيقًا عكس ما تعد به من “إعادة لتوزيع الثروة”.     

سناء عدوني

المفكرة القانونية

شارك هذا المقال: