يوم الثلاثاء الثامن من سبتمبر 2026 أعلنت وكالة فيتش تثبيت الترقيم السيادي لتونس عند درجة B سالب، مع آفاق مستقرة. وعلّلت قرارها بأنّ الموقع الخارجي للبلاد ظلّ صامدا رغم الصدمات، وبأنّ التدفقات الخارجية الصافية الخارجة تراجعت إلى 1،4 بالمائة من الناتج بعد أن بلغت مستوى قياسيا قدره 3،6 بالمائة سنة 2024، وبأنّ التضخم انحسر إلى نحو 5،7 بالمائة في المتوسط بعد أن كان 8،3 بالمائة بين 2022 و2024، وبأنّ الاستحقاقات تُسدَّد في آجالها. خبر بهذه الصياغة يوحي بأنّ الدولة اجتازت الامتحان، وقد قُرئ فعلا على هذا النحو.
غير أنّ الأسابيع التي سبقت هذا الخبر كانت أسابيع أخرى تماما بالنسبة إلى كل من يعيش في هذه البلاد. فيها أنّ التيّار انقطع مرّتين في الأسبوع، في التوقيت الذي أعلنته الشركة وفي غيره. وأنّ قارورة الماء اختفت من رفوف المساحات ثمّ عادت مقنّنة بستّ قوارير للشخص الواحد. وأنّ سعر البيض ارتفع بـ12،9 بالمائة في شهر واحد، والدواجن بـ11،4 بالمائة. وأنّ حيّا بأكمله خرج ليلا يحرق العجلات لأنّ الدولة تأخّرت في انتشال غرقى من البحر. وأنّ مريضا مات في مستشفى جهوي دون أن يُسجَّل موته في أي مؤشر منشور. من يجمع هذه الوقائع لا يحتاج إلى منهجية ليخرج بانطباع لا يقلّ رسوخا من الأول: البلاد تتفكّك.
الصورتان صدرتا في الأسبوع نفسه عن البلد نفسه. فأيّهما تكذب؟
لا واحدة منهما. وهذا بالضبط ما يجعل المسألة أخطر ممّا لو كانت إحداهما مزوّرة، لأنّ الكذبة تُكشف، أمّا الحقيقتان المتنافرتان فتحتاجان إلى تفسير.
سؤالان لا سؤال واحد
الخطأ الأول في قراءة هذه المفارقة هو افتراض أنّ الصورتين تجيبان عن السؤال نفسه.
وكالة الترقيم لا تقيس حالة البلاد، بل تجيب عن سؤال ضيّق ومحدّد: هل يستردّ مقرض هذه البلاد أمواله في الأشهر الثمانية عشر القادمة. ولا يدخل في هذا الحساب انقطاع الماء في القيروان، ولا اكتظاظ السجون، ولا الوفيات التي كان يمكن تفاديها في المستشفيات الجهوية، إلا إذا انتقل أثرها إلى قدرة الخزينة على السداد. أما المؤشرات الوطنية والأخبار اليومية فهي تجيب عن سؤال آخر تماما: هل ما تزال الدولة تؤدّي الوظائف التي تبرّر وجودها أمام من تحكمهم.
الأول سؤال عن الدفع، والثاني سؤال عن الخدمة. الأول يقيس ما يسمّيه الخبراء الماليّون الملاءة، أي قدرة المدين على الوفاء بتعهّداته في آجالها. والثاني يقيس قدرة الدولة على أن تظلّ دولة في نظر من تحكمهم. وبينهما مسافة يمكن أن تتّسع لسنوات دون أن يقع أي تناقض منطقي.
ويجب هنا ضبط معنى الدرجة نفسها قبل الاسترسال. فئة B هي في عرف الوكالات فئة الاقتصادات عالية المخاطر، وتونس تقع في نصفها الأسوأ بشهادة فيتش ذاتها: عجز ميزاني متوقّع عند 6،4 بالمائة من الناتج مقابل وسيط للفئة قدره 3،3، ودين عمومي عند 85 بالمائة مقابل متوسط لهذه الفئة قدره 55. ثمّ إنّ نقطة الانطلاق التي يُقاس عليها هذا الصمود هي سنة 2023 حين كان الترقيم في خانة CCC وكانت الأسواق تسعّر توقّع تخلّف عن السداد. أي أنّ ما يُحتفى به هو تفادي الإفلاس، لا الاقتراب من اقتصاد سليم. وفي اللغة الدقيقة، "تثبيت الترقيم" يعني: لم ينهر بعد. لا أكثر.
الدولة لم تخفّض ديونها، بل غيّرت طبيعتها
هنا تنحلّ المفارقة، وهنا تقع الفكرة التي أرجو أن تبقى بعد قراءة هذا النصّ.
الدولة التونسية لم تسدّد استحقاقاتها من فائض حقّقته. سدّدتها بتحويل نوع الدين. أخذت دينا خارجيا مؤرّخا مسعّرا معلوم الدائن قابلا للتنفيذ القضائي، وحوّلته إلى دين داخلي غير مؤرّخ ولا مسعّر، دائنه المواطن، ولا توجد محكمة يُرفع أمامها.
هذا التحويل ليس مجازا. له قنوات أربع، كلّها موثّقة بأرقام منشورة، وكلّها ظهرت في صائفة واحدة.
القناة الأولى هي الاستثمار المؤجّل. تراجعت استثمارات الشركة التونسية للكهرباء والغاز في وسائل الإنتاج بنسبة 87 بالمائة، من نحو 1947 مليون دينار في خماسية 2016 إلى 2020، إلى 248 مليون دينار في خماسية 2021 إلى 2025، بينما واصل الطلب ارتفاعه بمعدّل 3،8 بالمائة سنويا. الاستثمار الذي لا يُنجز يحسّن التدفّق النقدي اليوم ويُنتج تخفيف الأحمال بعد خمس سنوات. أي أنّ ساعات الانقطاع في أوت 2026 ليست عطبا طارئا بل قسط من أقساط الحفاظ على السيولة في السنوات الفارطة، يُدفع نقدا وفي التوقيت الذي لا نختاره.
القناة الثانية هي الدعم المموّل بخلق النقد. تجميد الأسعار المؤطّرة كلّف، وفق فيتش، 0،8 نقطة مئوية إضافية من الناتج في دعم المحروقات. ويُموَّل جزء من العجز بقروض مركزية بدون فائدة بلغت 7 مليارات دينار سنة 2024 وبُرمج منها 11 مليارا في قانون المالية لسنة 2026. النتيجة تظهر في أبسط المؤشرات وأصدقها: ارتفعت الأوراق النقدية المتداولة بنحو 16 بالمائة في سنة، بنسق يفوق بوضوح نمو الناتج الاسمي. ثمّ تظهر في مؤشر الأسعار: انزلاق سنوي قدره 8،5 بالمائة للمواد الغذائية الحرّة مقابل 0،2 بالمائة للمواد الغذائية المؤطّرة. فالتضخم لم يُخفَّض، بل انتقل إلى مكان آخر. نُقل من الرفّ المؤطّر إلى الرفّ الحرّ، ومن ميزانية الدولة إلى ميزانية العائلة، ومن الحاضر المرئي إلى مستقبل سيرهن أجيالا.
القناة الثالثة هي الصيانة والخدمة، وهي الأقسى لأنّها الأقلّ ظهورا. تأجيل صيانة شبكة مياه أو تجهيز مستشفى أو تأهيل مؤسسة سجنية لا يترك أثرا في أي جدول مالي، ويترك أثره في الأجساد. لا يوجد في تونس مؤشر منشور لزمن التعافي من أعطال الشبكة، ولا سلسلة زمنية لوفيات السجون، ولا معطى منتظم عن مدّة الانتظار في المستشفيات الجهوية. وهذه هي القاعدة الصامتة التي تحكم كلّ ما سبق: ما لا يُقاس لا يُدافَع عنه، وما لا يُدافَع عنه يُقتطع منه أولا.
القناة الرابعة هي المتخلّدات المتسلسلة. حين يضرب عمّال شركة فسفاط قفصة ثلاثة أيام كاملة بنسبة مشاركة تجاوزت 95 بالمائة، وتكون مطالبهم المباشرة صرف منحة العودة المدرسية وتسبقة قدرها 600 دينار قبل الخامس من سبتمبر وتعليق استخلاص مديونية شركتهم ستّة أشهر، فإنّهم لا يصفون نزاعا في هيكل الأجور بل يصفون آلية دقيقة: الخزينة تحمي رصيدها بتأخير الدفع نزولا في السلسلة، من الدولة إلى المنشأة العمومية، ومن المنشأة إلى العون والمزوّد. وفي كلّ حلقة يتحوّل التزام إلى تأخير، والتأخير إلى عجز، والعجز إلى إضراب. وللأسف سنشهد المزيد في قادم الأيام.
القنوات الأربع تقول شيئا واحدا: الدولة قادرة على السداد لأنّ البلاد تتآكل، وليس "رغم أنّها تتآكل".
لماذا يمكن لهذا التباعد أن يدوم
لأنّ الديون المستحقّة على الدولة ليست متساوية في قابلية الإنفاذ.
حامل السند الخارجي يملك ثلاث أدوات: أن يفعّل حدث تخلّف عن السداد، وأن يغلق باب التمويل عن الدولة كلّها، وأن يلاحقها أمام قضاء أجنبي. أمّا المريض في مستشفى جهوي، أو ساكن حيّ انقطع عنه الماء ثلاثة أيام، أو المعلّم الذي تآكل أجره، فلا يملك أي آلية إنفاذ فورية. وسيلته الوحيدة، الاحتجاج، بطيئة ومتقطّعة ومرتفعة الكلفة الشخصية، ويمكن للسلطة أن تحتويها أو تقمعها أو تنتظر انطفاءها.
فأي مدين تحت ضغط، أيّا كانت طبيعته، يدفع أولا لمن يستطيع إجباره على الدفع، ويؤجّل من لا يستطيع. هذا سلوك عقلاني للمدين لا مؤامرة على شعبه، والإصرار على هذا التوصيف ليس تلطيفا بل تدقيق، لأنّه يجعل النقد أمتن: لا نحتاج إلى افتراض نيّة سيّئة لنستنتج نتيجة سيّئة، ويكفي أن نصف الحوافز.
بهذا المعنى تقف وكالة الترقيم والمواطن على طرفي طابور واحد. الوكالة ترى رأس الطابور يُخلَّص في الآجال فتكتب أنّ الأمور تسير. والمواطن يقف في ذيله فيكتب أنّ الأمور انتهت. وكلاهما دقيق في وصف ما يراه، ولا أحد منهما يرى الطابور كلّه.
أين ينتهي التباعد
لا ينتهي حين "تنفد" الموارد بالمعنى المطلق، فهذه صورة مضلّلة. ينتهي حين يبدأ التدهور الوظيفي في ضرب موارد الدولة نفسها. وللانتقال قنوات معروفة، تُرتَّب من الأقصر إلى الأطول.
أقصرها الكهرباء. فإذا امتدّ القيد من البيوت إلى مصانع الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيج، تراجعت عائدات التصدير وضُرب الحساب الجاري مباشرة. هذه أقصر مسافة بين انقطاع في ورشة وسطر في تقرير وكالة. ثمّ الفسفاط، ومؤسسة يضرب عمّالها من أجل إنقاذ وضعها المالي هي مؤسسة تنتج عملة صعبة أقلّ. ثمّ السياحة، وموسم تتخلّله اضطرابات في الماء والكهرباء لا يضرب موسمه بل الذي يليه.
وأطول القنوات وأخطرها هي اليد العاملة. فأول ما ذكرته فيتش في تعليل الدرجة هو اليد العاملة المؤهّلة ومؤشرات التنمية البشرية الأعلى من نظرائها. وهجرة الكفاءات وتدهور التعليم والصحة تضرب بالضبط الأصل الذي بُنيت عليه هذه الدرجة. هذا تآكل لا يظهر في مراجعة سنوية، لكنّه يغيّر فئة البلد بعد عشر سنوات. الدولة تستهلك اليوم رصيدا راكمته على مدى نصف قرن، وتقدّم استهلاكه دليلا على متانتها.
وتبقى قناة صامتة تستحقّ الانتباه: قدرة البنوك المحلية على الامتصاص. فالنموذج كلّه يقوم على أنّ البنوك تشتري سندات الخزينة. وأي تباطؤ في نمو الودائع أو ارتفاع في الديون غير المستخلصة يضيّق هذه القناة، وحينها ينتقل الضغط إلى التمويل المركزي المباشر، ثمّ إلى سعر الصرف، ثمّ إلى الأسعار. عندئذ فقط يلتقي الدفتران، ويكون اللقاء مكلفا. فسعر الصرف هو النقطة الوحيدة التي يلتقي فيها دفتر الدائن بدفتر المواطن، لأنّه السعر الوحيد الذي يقرآنه في اليوم نفسه. وما دام ثابتا أمكن للتدهور أن يُدار في صمت، وإذا تحرّك انتهى الصمت.
الجواب: الحقيقة ليست في منتصف الطريق بين القراءتين، وليست في ترجيح إحداهما.
تونس ليست في انهيار مالي، ومن غير المرجّح أن تدخله في الأشهر القادمة. وهي في تدهور وظيفي حقيقي ومتسارع وقابل للقياس. والعلاقة بين الجملتين ليست علاقة تناقض بل علاقة سببية: التدهور الوظيفي هو ثمن اللاانهيار المالي، والفاتورة تُدفع يوميا في مواقيت انقطاع التيّار وفي رفوف المساحات وفي أروقة المستشفيات.
ومن هنا يجب الحذر من خطأين متقابلين، كلاهما مريح وكلاهما مضلّل.
الأول خطاب الانهيار الوشيك، وهو يُقال في تونس منذ 2022 ولم يتحقّق. وكلّ توقّع فاشل يُهدر رصيدا من المصداقية، والأسوأ أنّه يمنح السلطة أقوى حججها: قالوا سننهار ولم ننهر. من يراهن على الانهيار يجعل عدم وقوعه براءة لخصمه.
والثاني هو قراءة تثبيت الترقيم شهادة عافية، وهي القراءة التي تبنّاها الخطاب الرسمي فور صدور القرار، لأنّها تحوّل خبرا عن الملاءة إلى خبر عن الحكم.
والمخرج من الخطأين واحد، وهو تغيير السؤال نفسه. السؤال الصحيح ليس هل تنهار البلاد؟ بل أي رصيد يُستنزف، وبأي نسق، وأيّها يبلغ حدّه أولا؟ الرصيد المالي يقاس بدقّة ومن مصادر متعدّدة، ولذلك نعرف عنه كلّ شيء. أمّا رصيد الخدمة العمومية ورصيد الثقة ورصيد الكفاءة البشرية فلا مؤشر منشورا لأيّ منها.
وهذه، في النهاية، ليست ثغرة إحصائية بل اختيار سياسي. فالدولة تقيس بدقّة ما تخشى دائنيه، وتترك دون قياس ما لا تخشى دائنيه. ومن هنا يتحدّد موقع المعركة الأولى. ليست معركة في السياسات الاقتصادية، ولا في الأرقام وحدها، بل في ميزان الرهبة. فالدولة لا تسدّد لدائنها الخارجي لأنّها أعدل معه، بل لأنّها تهابه: يملك أن يغلق باب التمويل، وأن يرفع الكلفة على كلّ اقتراض لاحق، وأن يلاحقها أمام قضاء لا سلطان لها عليه. وهي لا تؤجّل ما تدين به لمواطنها لأنّها تحتقره، بل لأنّها لا تخشى شيئا من التأجيل.
فالمواطن اليوم دائن بلا سند ولا أجل ولا محكمة. واستعادة هيبته تعني بالضبط أن يصير لدينه أجل يُطالَب به، وسند يُشهَر، وجهة تُسأل عنه. الأرقام ليست غاية هذه المعركة بل أول أدواتها، لأنّ ما لا يُعدّ لا يظهر في تقرير، وما لا يظهر في تقرير لا يُطالَب به، وما لا يُطالَب به يبقى مجّانيا، وما يبقى مجّانيا يُدفع منه أولا.
ويوم تهاب الدولة تأخير الدواء في مستشفى جهوي كما تهاب تأخير قسط خارجي بيوم واحد، تكون قد تغيّرت. لا لأنّها صارت أرحم، بل لأنّ الفاتورة صارت أخيرا موجّهة إلى من يقدر على المطالبة بها.
انور معروف

