لومند افريك :انهيار الحكم المطلق لقيس سعيّد
اخبار وطنية 27 جويلية 2026

لومند افريك :انهيار الحكم المطلق لقيس سعيّد

بقلم: ameurayed

سيظلّ يوم 25 جويلية 2021 في تاريخ تونس ما بعد الثورة اليوم الذي جمع فيه رجل واحد بين يديه مجمل سلطات الدولة.

في ذلك اليوم، كان التونسيون، وقد أنهكتهم سنتان من الفوضى غير المسبوقة التي طبعت المشهد السياسي، قد استبشروا بخطوة الرئيس قيس سعيّد، وسمعوا وعوده بدولة أكثر فاعلية، وبمكافحة لا هوادة فيها للفساد، وبإدارة تتحرر أخيرا من التعطيل السياسي، وبتحسن سريع في ظروف عيشهم. غير أن ما قدّمه سعيّد باعتباره «تصحيحا للمسار الثوري» سرعان ما تحوّل إلى تفكيك منهجي لمؤسسات البلاد. وبعد خمس سنوات، يبدو التناقض بين تلك الوعود والواقع صارخا. فالبلاد تمر في الوقت نفسه بأزمة اقتصادية عميقة، وتراجع في القدرة الشرائية، وعزلة دبلوماسية غير مسبوقة، وتراجع دراماتيكي في الحريات العامة، وتدهور واضح في بنيتها التحتية الأساسية.

لم يسبق، في تاريخ تونس المعاصر، أن بلغت انقطاعات الكهرباء ونقص المياه هذا الحجم. فمنذ أيام، وقد شملت جميع الجهات، أصبحت هذه الانقطاعات جزءا من الإيقاع اليومي لحياة المواطنين. وهي تشل النشاط الاقتصادي، وتضعف الخدمات العمومية، وتغذي شعورا عميقا بالتخلي عن المواطنين.

صحيح أن جميع بلدان حوض المتوسط تواجه حاليا موجات حر استثنائية وحرائق شديدة الخطورة، غير أن معظمها يمتلك مؤسسات قادرة على الاستباق والتخطيط وتعبئة الوسائل الضرورية بسرعة. أما في تونس، فإن هذه التحديات نفسها تكشف، قبل كل شيء، نتائج سلطة فضّلت الشعارات على الاستراتيجية، والشعبوية على التخطيط، والاتصال السياسي على إدارة الدولة.

ويجسّد قطاع الطاقة هذا الانحراف بصورة واضحة.

فقد كانت البلاد تواجه، منذ سنوات، ارتفاعا متواصلا ومتوقعا تماما في الطلب على الكهرباء. ومع ذلك، فإن آخر محطتين كبيرتين لإنتاج الكهرباء دخلتا الخدمة في تونس، وهما محطة رادس «ج» ومحطة المرناقية، تعودان إلى سنة 2019، في عهد حكومة الشاهد. وقد مثلتا آخر الاستثمارات الكبرى التي عززت قدرات البلاد الوطنية على إنتاج الكهرباء. وفي الوقت الذي كانت فيه الحاجيات تتزايد، كانت الاستثمارات تتباطأ، وفي الوقت الذي كانت فيه البنية التحتية تتقادم، لم تُعتمد أي رؤية طاقية ذات مصداقية. ونتيجة لذلك، وجدت البلاد نفسها أمام شبكة تحت ضغط شديد، وقدرات إنتاج غير كافية، وانقطاعات تتكرر بوتيرة متزايدة. وينطبق الأمر نفسه على إدارة المياه. فقد تكاثرت تحذيرات الخبراء منذ سنوات، وكانت آثار التغير المناخي معروفة، كما كانت حاجيات الاستثمار موثقة. ومع ذلك، ظلّت الاستجابات الهيكلية غير كافية إلى حد كبير.

غير أن المشكلة تتجاوز البنية التحتية، فهي سياسية في المقام الأول.

فالسياسات العمومية الكبرى تحتاج إلى الاستمرارية، وإلى إدارات قوية، وإلى موازنة بين الآراء والخيارات المتعارضة، وإلى الشفافية، وإلى القدرة على مراجعة اختيارات السلطة. وهي تفترض، تحديدا، ما أضعفه النظام السياسي الذي أُقيم منذ 25 جويلية 2021 تدريجيا. فمنذ خمس سنوات، لم تقتصر السلطة الشعبوية للرئيس سعيّد على تغيير الهندسة الدستورية للبلاد، بل إنها نزعت الشرعية عن فكرة المؤسسة ذاتها.

ففي مناسبات عديدة، هاجم الرئيس قيس سعيّد البرلمان، وأخضع الهيئات المستقلة، وقضى على الأحزاب السياسية والهيئات الوسيطة، وعلى نطاق أوسع، على آليات الرقابة الديمقراطية، مقدّما إياها باعتبارها هياكل عديمة الجدوى أو مشلولة أو خاضعة لسيطرة «اللوبيات» والمصالح الخفية. ووفق هذه الرؤية، لم تعد آليات التوازن والرقابة تحمي المصلحة العامة، بل أصبحت تحول دون قدرة الدولة على الفعل.

وقد جرى تفكيك عدد من مؤسسات الدولة، مثل البلديات والمجلس الأعلى للقضاء، من دون أن يقع تعويضها بأي مؤسسات أخرى. وبإلغائها، لم تُلغ السلطة المشكلات، بل حرمت نفسها من الأدوات التي كانت تتيح لها تحديد هذه المشكلات، وتصحيحها، وإجبار أصحاب القرار على تقديم الحساب.

وبفعل إضعاف مؤسساته الخاصة، أو الالتفاف عليها، أو تشويه صورتها، حرم حكم سعيّد الدولة تدريجيا من قدراتها على الاستباق. فقد يستطيع بلد ما أن يواصل العمل لبعض الوقت بفضل القصور الذاتي لإدارته، وبفضل الاستثمارات التي ورثها عن السنوات السابقة، لكن عندما تتوقف المؤسسات عن أداء دورها، فإن العواقب تظهر دائما في نهاية المطاف: تتأخر المشاريع الكبرى، وتتراجع الاستثمارات، وتتقادم البنية التحتية، وتصبح إدارة الأزمات أكثر صعوبة.

والنتيجة دولة تزداد مركزية، لكنها تصبح، paradoxalement، أقل فأقل فاعلية.

وإلى جانب أزمة الحوكمة هذه، تضاف أزمة سياسية بالغة الخطورة. فقد جرى تتبع مئات المعارضين والمحامين والصحفيين والنشطاء والمسؤولين السياسيين السابقين والمواطنين، وسُجن بعضهم أو اضطروا إلى المنفى. كما تتهم منظمات وطنية ودولية عديدة القضاء بأنه أصبح يُستخدم بصورة متزايدة ضد الأصوات الناقدة. ويضيق مجال النقاش العام، في الوقت الذي يحل فيه الخوف محل التعددية.

ولم يؤد هذا المناخ إلى طمأنة المستثمرين، ولا إلى تعزيز الاقتصاد، ولا إلى تحسين الخدمات العمومية. بل إنه أدى، على العكس، إلى تعميق عزلة البلاد وإضعاف الثقة الضرورية لأي نهوض اقتصادي.

إن المفارقة قاسية.

ففي تونس، وباسم الفاعلية، جرى تفكيك الديمقراطية، وباسم إنقاذ الوطن، تركزت جميع مفاتيح القرار بين يدي رجل واحد. ومع ذلك، لم تبدُ الدولة في أي وقت من الأوقات عاجزة كما تبدو اليوم أمام أزمات كان من الممكن التنبؤ بها إلى حد كبير.

وبعد خمس سنوات من الانقلاب المنافي للدستور في 25 جويلية 2021، تبدو البلاد شديدة الهشاشة سياسيا، ضعيفة اقتصاديا إلى حد كبير، وأكثر عرضة للأزمات مما كانت عليه من قبل.

كان من المفترض أن يمثل يوم 25 جويلية 2021 بداية الإصلاح والإنقاذ. لكنه سيبقى، على الأرجح، نقطة انطلاق لمسار طويل من التراجع السياسي والاقتصادي والمؤسساتي، يدفع التونسيون اليوم ثمنه في حياتهم اليومية

شارك هذا المقال:

لومند افريك :انهيار الحكم المطلق لقيس سعيّد | أنساق