يكن توقيع السعودية وتركيا وباكستان "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط دخلت مرحلة جديدة تفرض على القوى الإقليمية البحث عن صيغ أكثر استقلالًا لحماية مصالحها. ففي ظل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، وتصاعد المخاطر التي تهدد أمن الممرات البحرية، وتراجع قدرة المنظومات التقليدية على احتواء الأزمات، جاءت الاتفاقية لتعلن انتقال العلاقات بين الدول الثلاث من التعاون الثنائي إلى شراكة دفاعية جماعية قد تعيد رسم جانب من معادلات الأمن الإقليمي.
الاتفاقية، التي وقعها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، تقوم على مبدأ واضح يتمثل في اعتبار أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الجميع، استنادًا إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحق الدفاع الشرعي. ورغم تأكيد العواصم الثلاث أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية ولا تستهدف أي دولة بعينها، فإن توقيتها يجعلها إحدى أبرز نتائج التحولات التي فرضتها الأزمات المتلاحقة في المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
وتكتسب الاتفاقية أهميتها من كونها تجمع بين ثلاث قوى تمتلك عناصر قوة متكاملة أكثر منها متشابهة. فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي الأكبر في العالم العربي، وتواصل الاستثمار بكثافة في توطين الصناعات العسكرية ضمن رؤية تستهدف تقليل الاعتماد على الخارج. أما تركيا، فقد تحولت خلال العقد الأخير إلى أحد أبرز منتجي الصناعات الدفاعية، مستفيدةً من الطفرة التي حققتها في مجالات الطائرات المسيّرة والأنظمة الصاروخية والتقنيات العسكرية، إلى جانب امتلاكها ثاني أكبر جيش داخل حلف شمال الأطلسي. وفي المقابل، تضيف باكستان إلى هذا التشكيل خبرةً عسكريةً واسعة، فضلًا عن موقعها الجغرافي المطل على بحر العرب، وامتلاكها السلاح النووي، بما يمنح الاتفاقية بعدًا إستراتيجيًا يتجاوز حدود الشرق الأوسط.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو اتفاقية مكة مجرد تفاهم دفاعي جديد، بل محاولة لبناء إطار ردع إقليمي يعتمد على تكامل القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية للدول الثلاث. فبدلًا من الاكتفاء بالتنسيق السياسي أو التعاون العسكري التقليدي، تفتح الاتفاقية الباب أمام تطوير الصناعات الدفاعية المشتركة، وتبادل التكنولوجيا، ورفع مستوى الجاهزية، وتعزيز قابلية العمل العسكري المشترك، وهو ما يمنحها طابعًا مؤسسيًا طويل المدى إذا ما تُرجم إلى خطوات تنفيذية عملية.
وبالنسبة إلى تركيا، تمثل الاتفاقية امتدادًا لسياسة تنويع الشراكات الأمنية التي تتبعها أنقرة خلال السنوات الأخيرة، دون أن يعني ذلك التخلي عن التزاماتها داخل حلف الناتو. ولهذا سارعت القيادة التركية إلى التأكيد أن الاتفاقية لا تتعارض مع التحالفات القائمة، ولا تعني إرسال القوات التركية تلقائيًا إلى أي أزمة إقليمية، إذ يظل قرار استخدام القوة خاضعًا للمؤسسات الدستورية وآليات صنع القرار الوطنية. ويعكس هذا الموقف حرص أنقرة على الجمع بين عضويتها في المنظومة الغربية وتوسيع حضورها داخل ترتيبات الأمن الإقليمي.
في المقابل، تمنح الاتفاقية السعودية فرصةً لتعزيز موقعها بوصفها مركزًا لتنسيق ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، بعد سنوات من التركيز على بناء شراكات دفاعية متنوعة. فالرياض كانت قد وقعت اتفاقًا دفاعيًا مع إسلام آباد عام 2025، قبل أن تنضم تركيا إلى الإطار الجديد، بما أضفى عليه بعدًا سياسيًا وعسكريًا أكبر، وربط الخليج بجنوب آسيا وشرق المتوسط ضمن شبكة تعاون واحدة.
أما باكستان، فتخرج من الاتفاقية بدور يتجاوز نطاقها التقليدي في جنوب آسيا. فإلى جانب موقعها الجغرافي الحساس، لعبت إسلام آباد خلال الأشهر الماضية دورًا في جهود الوساطة بين واشنطن وطهران، وهو ما عزز حضورها في ملفات الشرق الأوسط. واليوم، يمنحها الاتفاق موقعًا أكثر رسوخًا داخل معادلات الأمن الإقليمي، باعتبارها شريكًا مباشرًا لكل من الرياض وأنقرة في إطار دفاعي واحد.
ولا يمكن فصل الاتفاقية عن التنافس المتزايد على أمن الممرات البحرية، التي أصبحت أحد أبرز عناوين الصراع الجيوسياسي في المنطقة. فالدول الثلاث تنتشر على امتداد جغرافي يربط الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر وشرق المتوسط، وهي مناطق تشكل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية. ومن ثم، فإن أي تعاون دفاعي بينها لا يقتصر على مواجهة التهديدات العسكرية، بل يمتد إلى حماية سلاسل الإمداد وتأمين طرق التجارة وتقليل المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي.
ورغم تأكيد البيانات الرسمية أن الاتفاقية ليست موجهة ضد أي طرف، فإنها ستدخل حتمًا في حسابات القوى الإقليمية والدولية. فإيران ستراقب طبيعة هذا التنسيق الدفاعي الجديد على حدودها الغربية والجنوبية، بينما ستتابع إسرائيل تطور شراكة تجمع ثلاث دول تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا متزايدًا. كما ستنظر الهند بعناية إلى تعاظم الدور الإقليمي لباكستان، في حين ستسعى الولايات المتحدة إلى تقييم ما إذا كانت هذه الشراكة ستبقى مكملةً للتحالفات التقليدية، أم ستتحول مستقبلًا إلى إطار أكثر استقلالًا في إدارة الأمن الإقليمي.
لكن نجاح الاتفاقية سيظل مرهونًا بقدرتها على الانتقال من مرحلة الإعلان السياسي إلى مرحلة البناء المؤسسي. فإطلاق مشاريع تصنيع عسكري مشتركة، وإنشاء آليات دائمة للتنسيق، وتنفيذ تدريبات مشتركة، وتطوير منظومات تبادل المعلومات والخبرات، ستكون المؤشرات الحقيقية على مدى تحول الاتفاقية إلى ركيزة أمنية مؤثرة، وليس مجرد إعلان سياسي فرضته ظروف إقليمية استثنائية.
وتبدو اتفاقية مكة أكثر من مجرد اتفاق دفاعي جديد بين ثلاث دول؛ فهي تعكس اتجاهًا متصاعدًا نحو إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي بأدوات محلية، في ظل بيئة دولية تتراجع فيها الضمانات التقليدية، وتتصاعد فيها الحاجة إلى شراكات أكثر مرونة واستقلالًا. وبينما لا يزال من المبكر الجزم بأنها ستحدث تحولًا جذريًا في موازين القوى، فإنها تمثل بلا شك إحدى أبرز المحطات في مسار إعادة رسم التوازنات الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط وجنوب آسيا، وهي توازنات ستحدد ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة.
شعبان عبد الفتاح

