هل تستطيع المعارضة أن تعيد اختراع نفسها وأن تنتقل من قوة موقف إلى قوة اجتماعية وسياسية
مقالات راي 25 أوت 2026

هل تستطيع المعارضة أن تعيد اختراع نفسها وأن تنتقل من قوة موقف إلى قوة اجتماعية وسياسية

بقلم: ameurayed

كلما شهدت البلاد أزمة، عاد الحديث عن المعارضة إلى الواجهة...مرة من زاوية "ارتباطاتها الخارجية" ودورها المفترض في تأجيج الأزمة أو توظيفها، ومرة أخرى من زاوية ضعفها وتشتتها وعجزها عن الحشد والتعبئة وفي الحالتين، تبدو المعارضة في موضع اتهام

-لكن هل يعني ضعف المعارضة أن دورها قد انتهى؟ وهل كان هذا الضعف ظاهرة جديدة، أم أنه كشف محدودية تاريحية كانت قائمة قبل ذلك، ولم تكن قد ظهرت بكل وضوح إلا في لحظات الاختبار الكبرى؟

-ثم هل كانت المعارضة التونسية، تاريخيا تملك أصلا القدرة التنظيمية والجماهيرية على قيادة تحولات كبرى، أم أن دورها ظل في أغلب المراحل أقرب إلى قوة موقف ومجموعات ضغط قادرة على الإحراج والمراقبة والاعتراض، دون امتلاك أدوات الحشد والقيادة الميدانية؟

⬛تاريخ طويل من المعارضة... وحضور جماهيري محدود

تجربة المعارضة في تونس تمتد لعقود طويلة، وتضم مدارس واتجاهات سياسية وفكرية مختلفة: اليسار، والقوميون، والإسلاميون، والليبراليون، والديمقراطيون الاجتماعيون والاشتراكيون وغيرهم.

لكن هذه التجربة لم تتطور في مسار تصاعدي يسمح للمعارضة ببناء تنظيمات جماهيرية واسعة قادرة على منافسة السلطة في الشارع أو في الانتخابات.

فمنذ الستينات وحتى أواخر السبعينات، كان جزء كبير من العمل المعارض، خصوصا لدى اليسار والقوميين، يجري في السرية، بينما كانت الحياة السياسية خاضعة لهيمنة الحزب الحاكم.

وفي الثمانينات، ومع ظهور أحزاب معترف بها وأخرى ظلت في السرية، توسعت مساحات النشاط السياسي نسبيا، وبرزت تيارات مثل الاتجاه الإسلامي وحزب العمال الشيوعي، خصوصا داخل الجامعات والمدارس. لكن هذا النفوذ ظل قطاعيا ومحدودا، ولم يتحول إلى قاعدة شعبية وطنية واسعة.

وحتى في سنوات نظام زينالعابدين بن علي، ورغم بروز أحزاب ذات مواقف معارضة قوية، بقي تأثيرها في كثير من الأحيان محصورا في الصحافة والبيانات والندوات والتجمعات المحدودة، وكان النظام يتعامل مع بيان سياسي أو مقال صحفي أو تجمع لعشرات المعارضين باعتباره تحديا يستوجب الرد، وهو ما منح المعارضة، رغم محدودية حجمها، قدرة معينة على إحراج السلطة وممارسة الضغط عليها.

وهنا تكمن المفارقة: المعارضة التونسية كانت تاريحيا أقوى في إنتاج الموقف منها في إنتاج الجماهير.

⬛الثورة لم تكن من صناعة المعارضة

تكشف المحطات الكبرى في تونس هذه الحقيقة بوضوح.

ففي انتفاضة الخبز في جانفي 1984، لم تكن المعارضة هي التي أطلقت الاحتجاجات وقادتها منذ لحظتها الأولى، وكذلك الأمر في 17 ديسمبر 2010، عندما اندلعت شرارة الثورة من سيدي بوزيد قبل أن تلتحق بها القوى السياسية والحقوقية والنقابية وتتوسع الأحداث.

لا يعني ذلك التقليل من دور المعارضة في مقاومة الأنظمة أو في توفير خطاب سياسي وحقوقي بديل، بل يعني أن القدرة على قيادة الشارع لم تكن تاريخيا نقطة القوة الأساسية للمعارضة التونسية.

لقد كانت المعارضة، في مراحل مختلفة، قوة موقف ورقابة وضغط، ونجحت في الحفاظ على وجودها حتى في أكثر الفترات استهدافا لها، لكنها لم تتحول بصورة مستقرة إلى قوة جماهيرية قادرة على صناعة اللحظة السياسية أو التحكم في اتجاهاتها.

⬛بعد 2011: فرصة لم تتحول إلى مشروع جماهيري

بعد الثورة، تغيرت المعادلة جذريا وخرجت أحزاب كانت محظورة أو سرية إلى العلن، وأصبحت أمامها فرصة تاريخية لبناء قواعد شعبية وتنظيمات واسعة.

لكن هذه الفرصة لم تُستثمر بالكامل.

كانت هناك عوامل مادية واضحة، إذ إن بناء تنظيم جماهيري يحتاج إلى موارد وإمكانيات وشبكات تنظيمية. وكانت هناك أيضا مشكلة في الخطاب السياسي وآليات الوصول إلى الفئات الاجتماعية الواسعة.

وفي مرحلة معينة، بدا أن حزء من الأحزاب يتعامل مع الظهور الإعلامي وتداول البيانات باعتبارهما بديلا عن العمل التنظيمي والميداني.

كما استُنزفت طاقات سياسية كبيرة في معارك جانبية وخلافات داخلية، تحولت أحيانا إلى عناوين رئيسية، فيما بقيت الأسئلة المتعلقة ببناء القواعد الشعبية والتنظيمات القادرة على الاستمرار مؤجلة.

إلى جانب ذلك تحولت بعض القوى الحزبية تدريجيا إلى ما يشبه المجموعات الحقوقية، وهو تحول مفهوم في سياق الصراع مع السلطة، لكنه يصبح إشكاليا عندما يطغى الدور الحقوقي على الوظيفة السياسية الأساسية للحزب: تقديم مشروع، وبناء تنظيم، وإنتاج قيادات، والتواصل مع المجتمع، والسعي إلى الوصول إلى السلطة عبر أدوات سياسية.

⬛25 جويلية لم يُنه الأحزاب... بل كشف حدودها

من السهل القول إن الأحزاب انتهى دورها بعد 25 جويلية 2021، لكن هذا الاستنتاج يبدو أكثر تبسيطا من اللازم.

قوة الحزب ليست مفهوما واحدا ، يمكن قياسها بعدد المنخرطين والانتشار الجغرافي والقدرة على الحشد، ويمكن أيضا قياسها بصلابة الموقف والقدرة على الصمود وإنتاج الخطاب والحفاظ على الوجود.

وبهذا المعنى، فإن القول بأن الأحزاب اختفت تماما لا يعكس الواقع بدقة.

لقد تراجع حضورها وتقلصت قدرتها على الحركة، كما تعرضت قوى سياسية عديدة للملاحقة والتضييق، لكن معظمها حافظ على قدر من الوجود السياسي.

والأهم أن الأحداث التي مست قضايا تعتبرها قطاعات واسعة من المجتمع خطوطا حمراء أعادت إظهار قدرة الأحزاب على الاصطفاف والتفاعل.

فحين تتعرض إحدى المكونات الوطنية أو النقابية الكبرى لضغط أو استهداف، سرعان ما تظهر مواقف حزبية متقاربة، رغم الاختلافات الأيديولوجية والسياسية العميقة بينها.

وهذا يعني أن المشهد الحزبي لم يمت بقدر ما دخل مرحلة كمون وإعادة تشكل.

⬛لماذا لم تنجح المعارضة في "مواجهة" قيس سعيّد؟

يُختزل الجواب عادة في أربع نقاط: تشتت المعارضة، ارتباط جزء منها بتجربة الحكم السابقة، فقدان جزء من ثقة الشارع، وعدم القدرة على التعبئة والحشد.

وكلها عوامل حقيقية، لكنها لا تكفي وحدها.

المشكلة الأعمق أن جزء من المعارضة ظل يتعامل مع مرحلة ما بعد 25 جويلية بأدوات المرحلة السابقة. ظل الخطاب يدور حول توصيف المسار باعتباره انقلابا، والدعوة إلى إسقاطه، وإصدار البيانات، وتنظيم الاحتجاجات، بينما كانت موازين القوة على الأرض تتغير، وكان الرئيس يواصل بناء مساره السياسي والمؤسساتي وفق التصور الذي أعلنه منذ 13 ديسمبر 2021.

لقد أصبح جزء من المعارضة أسيرا للرد على خطوات السلطة بدل امتلاك المبادرة السياسية.

لكن هناك عاملا آخر بالغ الأهمية: الأدوات التي كانت تمنح المعارضة وزنا في السابق لم تعد تؤدي الوظيفة نفسها اليوم.

⬛عندما فقد البيان السياسي احتكاره

في عهد بن علي، كان المجال الإعلامي محدودا وكانت المعارضة تملك، رغم ضعف إمكانياتها، نوعا من الاحتكار النسبي للخطاب المناهض للسلطة ، لذلك كان لبيان معارض، أو مقال في صحيفة، أو تجمع لعشرات الأشخاص، قدرة أكبر على صناعة حدث سياسي وإحراج السلطة.

أما اليوم، فقد تغير المشهد بالكامل.

وسائل التواصل الاجتماعي جعلت إنتاج الموقف متاحا للجميع. لم تعد الأحزاب وحدها قادرة على انتقاد السلطة أو كشف إخفاقاتها أو إنتاج خطاب معارض.

المواطن، والناشط، والصحفي، والخبير، والمؤثر، وحتى الصفحات غير المنظمة، أصبحوا جميعا منتجين للمحتوى السياسي.

وبالتالي، لم تعد بيانات الأحزاب بالثقل نفسه الذي كانت تحمله سابقا.

والأمر نفسه ينطبق على الشارع. فالنزول إلى الشارع لم يعد في حد ذاته أداة ضغط استثنائية، لأن الاحتجاج أصبح جزء يوميا من المشهد التونسي، وتمارسه قطاعات اجتماعية ومهنية مختلفة لأسباب متعددة. ولذلك فإن مجرد تنظيم مسيرة أو وقفة، مهما كان عدد المشاركين فيها، لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة سياسية على تغيير موازين القوى.

⬛ليست المشكلة أن المعارضة ضعيفة فقط... بل أن قواعد اللعبة تغيرت

ربما يكون الخطأ الأساسي في جزء من النقاش هو التعامل مع ضعف المعارضة باعتباره ظاهرة جديدة أنتجها 25 جويلية وحده.

الأصح أن 25 جويلية كشف حدودا كانت موجودة قبل ذلك، وفي الوقت نفسه غيّر قواعد اللعبة التي كانت تتحرك داخلها المعارضة.

المعارضة التونسية حافظت على نفسها في ظروف صعبة، وكانت في محطات كثيرة صوتا للرقابة والاحتجاج والدفاع عن الحقوق والحريات، وأسهمت في إبقاء قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية عديدة على جدول النقاش العام، لكن ذلك لا يعني أنها امتلكت تاريخيا قاعدة جماهيرية مستقرة وقدرة ميدانية على قيادة الشارع.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس جلد المعارضة ولا تبرئة السلطة، وإنما إعادة قراءة التجربة بواقعية.

المعارضة اليوم تحتاج إلى مراجعة عميقة: سياسيا وتنظيميا واتصاليا وجماهيريا.

تحتاج إلى أن تسأل عن موقعها في المجتمع، لا فقط عن موقعها في وسائل الإعلام وعن قدرتها على بناء التنظيم، لا فقط عن قدرتها على إصدار البيانات وعن مشروعها البديل، لا فقط عن قدرتها على رفض مشروع السلطة.

المعارضة التي تكتفي برفض السلطة قد تنجح في الحفاظ على موقعها الأخلاقي أو الحقوقي، لكنها لا تتحول بالضرورة إلى بديل سياسي.

أما بناء البديل، فيحتاج إلى أكثر من بيانات ومؤتمرات صحفية واحتجاجات: يحتاج إلى فكرة واضحة، وتنظيم قادر على الاستمرار، وخطاب يفهم التحولات الاجتماعية، وقدرة على الوصول إلى الناس خارج الدوائر السياسية والإعلامية والحقوقية التقليدية.

لذلك، فإن السؤال اليوم ليس: هل انتهى دور الأحزاب والمعارضة في تونس؟

بل السؤال الأكثر جدية هو: هل تستطيع المعارضة أن تعيد اختراع نفسها، وأن تنتقل من قوة موقف إلى قوة اجتماعية وسياسية، دون أن تفقد ما راكمته من خبرة ومصداقية في الدفاع عن الشأن العام؟

ذلك هو التحدي الحقيقي. وما لم تتم الإجابة عنه، ستظل المعارضة تدور في الحلقة نفسها: ترفض، وتحتج، وتصدر البيانات، بينما يواصل الطرف الآخر رسم اتجاه المرحلة.

نورالدين المباركي

شارك هذا المقال: