لم يعد هذا الوطن يحتمل مزيداً من الحروب الصغيرة. فبينما ننشغل بتصفية الحسابات الفكرية، وتبادل الاتهامات، وإعادة إنتاج معارك الهوية التي لم تحسمها عقود طويلة، تتداعى الدولة من الداخل، ويتآكل المجتمع، ويغدو مستقبل الأجيال رهينة غرف مغلقة لا يشارك الشعب في قراراتها.
ليس المطلوب أن يتخلى أحد عن عقيدته السياسية، ولا أن يتنازل عن مرجعيته الفكرية، ولا أن يذوب في مشروع غيره. فالاختلاف سنة من سنن الاجتماع الإنساني، والتنوع مصدر غنى لا سبب خصومة. لكن لكل مرحلة أولوياتها، ولكل خطر ما يفرضه من مسؤوليات.
اليوم، ليست المعركة بين الإسلامي والعلماني، ولا بين اليساري والليبرالي، ولا بين المحافظ والحداثي. المعركة الحقيقية هي بين وطن يريد أن يستعيد حقه في السياسة، وبين استبداد لا يعيش إلا على انقسام خصومه.
كيف يليق بنا أن نتجادل حول شكل البيت، بينما أساساته تتصدع؟ وكيف ننشغل بتوزيع الغرف، بينما السقف يوشك أن ينهار فوق الجميع؟
في الزنازين رجال ونساء يدفعون من أعمارهم ثمناً لمواقفهم، وأسر تنتظر على أبواب السجون، وأمهات يقتاتن على الأمل، ووطن يئن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بينما تتسع دوائر الفقر واليأس والهجرة، وتضيق مساحات الحرية.
وفي الأثناء، لا تتوقف مراكز النفوذ، داخل البلاد وخارجها، عن إعداد خرائط المرحلة المقبلة، ورسم ملامح المشهد القادم بما يخدم مصالحها. ومن لا يحسن ترتيب بيته بنفسه، سيفاجأ يوماً بمن يرتب له بيته وفق إرادة غيره.
إن اللحظة تفرض علينا شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة الاعتراف بأن أحداً لن يستطيع إنقاذ تونس وحده، وأن أحداً لن يستطيع إقصاء الجميع ثم يحكم بلداً أنهكه الانقسام.
فلنتفق على الحد الأدنى الذي يجمعنا: استعادة الحرية، وإطلاق سراح المعتقلين، وعودة السياسة إلى أصحابها، واستقلال القضاء، وصيانة كرامة الإنسان، والاحتكام إلى إرادة الشعب في إدارة اختلافاته. وما سوى ذلك يبقى مشروعاً للنقاش الحر بعد أن يستعيد الوطن عافيته.
إن التاريخ لا يرحم الذين يقدمون خلافاتهم على أوطانهم، كما لا يخلد إلا أولئك الذين عرفوا متى يؤجلون خصوماتهم من أجل إنقاذ السفينة.
فلنؤجل معارك الهوية، ولنخفض صوت الشعارات، ولنعط الأولوية لإنقاذ البلاد. فالأوطان إذا ضاعت، لم يبق للإيديولوجيات وطن تختلف فيه، ولا منبر تتناظر فوقه، ولا شعب يحتكم إليها.
إن صخرة الاستبداد الجاثمة على صدر تونس أثقل من أن يزيحها فصيل واحد، لكنها ليست أثقل من أن تتكسر أمام إرادة وطنية جامعة، إذا صدقت النيات، وارتفعت الهمم، وقدمت تونس على كل ما سواها.
عامر عياد

