.
إذا كان اليسار قد خسر، في بعض البلدان، معركة السلطة، فإن خسارته الأعمق كانت في معركة "الوظيفة المنبرية"؛ أي في القدرة على إنتاج الخطاب، وصياغة المخيال السياسي، والتعبئة، والتأثير في الرأي العام. بل إن بعض تجاربه لم تنجح أصلًا في الفوز بهذه الوظيفة.
وفي الحالة التونسية، لم ينجح اليسار، في معظم مراحله، في تحويل حضوره الفكري إلى تأثير مجتمعي واسع. فقد ظل إنتاجه للخطاب وتأثيره الرمزي محصورين، إلى حد كبير، داخل أسوار الجامعة وبعض الدوائر الثقافية والنقابية خلال فترات تاريخية محددة، دون أن يتحولا إلى خطاب مجتمعي قادر على تشكيل الوعي العام أو قيادة التعبئة السياسية. لذلك بقي حضوره داخل النخب أوسع من حضوره داخل المجتمع، وتأثيره الفكري أكبر من قدرته على إعادة صياغة الحقل السياسي. كما أن تركيبته الاجتماعية ظلت، في جانب مهم منها، أقرب إلى نخب متمدرسة تنتمي إلى الطبقات الوسطى، الأمر الذي أفرز مفارقة لافتة: يساريًّا في وجدانه، بورجوازيًّا في طموحه، ونخبويًّا في امتداداته الاجتماعية. وقد أسهم هذا التباعد بين الخطاب والموقع الاجتماعي في إضعاف قدرته على بناء قاعدة شعبية واسعة ومستقرة.
وقد أسهم هذا الانفصال في انزلاق جزء من خطابه إلى خطاب احتجاجي يستعير، أحيانًا، بعض آليات الشعبوية، ويغرد خارج حقول الفعل السياسي. وبدل أن ينطلق من الواقع لتحليله وإعادة تشكيله، أصبح ينتج، في كثير من الأحيان، خطابًا مُسقَطًا على الواقع، يعيد إنتاج الشعارات أكثر مما يصوغ بدائل سياسية قابلة للفعل.
ومن ثم، فإن أولوية اليسار اليوم هي السعي على الفوز أولًا بالوظيفة المنبرية؛ أي القدرة على إنتاج خطاب متجذر في المجتمع، يصوغ المخيال السياسي، ويؤثر في الرأي العام، ويحول المطالب الاجتماعية إلى مشروع سياسي قابل للتعبئة والتنفيذ.
كما يقتضي ذلك تنمية قدرته على تشخيص التحولات الاجتماعية والسياسية وقراءتها بدقة وواقعية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والقوالب الإيديولوجية الجامدة، حتى يصبح خطابه منبثقًا من الواقع، وقادرًا على تفسيره والتفاعل معه واستشراف اتجاهاته، لا خطابًا مُسقَطًا عليه.
فالوعي بهذه التحولات يمثل المدخل الضروري لترميم اليسار، والتعافي من الشرذمة، واستعادة موقعه بوصفه قوة اقتراح وتأثير وفعل سياسي.
لطفي طرشونة

