عاد الاتحاد العام للشغل (أعرق منظمة نقابية في تونس) إلى الواجهة بعد دعوته تنقية المناخ العام واحترام حرية التعبير، وضمان استقلالية القضاء وحقوق المتقاضين في المحاكمة العادلة. وأكدت الهيئة الإدارية الجهوية في تونس لاتحاد الشغل في بيان لها أمس الأحد، أن أوضاع البلاد بلغت درجة من التدهور لم يعد معها الصمت أو الاكتفاء بالتشخيص مقبولاً.
ودعت الهيئة الإدارية الجهوية بتونس، الهيئة الإدارية الوطنية لاتحاد الشغل، إلى تفعيل قرار الإضراب العام واتخاذ كل الأشكال النضالية السلمية والمشروعة، مؤكدة استعدادها للدخول في تحركات نضالية جهوية.
وفي الثالث من سبتمبر/أيلول الحالي، تم الإعلان عن تنسيقية مشتركة تجمع كبرى المنظمات في البلاد، الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين. وأعادت هذه التنسيقية للأذهان تجربة الرباعي الراعي للحوار، والتي كانت بقيادة نفس هذه المنظمات الثلاثة مع الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة في 2013.
ولعبت المنظمات الأربعة الكبرى دور الوسيط لتنظيم حوار وطني شامل جمع الأطراف المتنازعة، أي الحكومة والمعارضة، بعد أن دخلت البلاد في أزمة سياسية غير مسبوقة، وخلافات حادة مباشرة بعد اغتيال النائب والسياسي محمد البراهمي في يوليو/تموز 2013.
ونجح الرباعي الراعي للحوار حينها في إقرار خارطة طريق، ودفع الحكومة للاستقالة، وتم تشكيل حكومة كفاءات وإتمام دستور 2014، واليوم يتطلع متابعون إلى أهمية دور اتحاد الشغل في محاولة إنقاذ البلاد، وربما تغيير الأوضاع بعد أن اشتدت الأزمة، وانسدت كل الأفاق.
حوار "منعدم تماماً"
وقال الكاتب العام للاتحاد الجهوي للشغل في تونس، نزار السميري في حديث لـ"العربي الجديد" إن الهيئة الإدارية الوطنية سبق ودعت في 4 يونيو/حزيران الماضي الهيئات الجهوية إلى تحركات وإضراب عام، "ولكنه لم ينفذ في محاولة لمزيد من الحوار، وكان القرار على خلفية ما وصلت إليه البلاد من تردي للأوضاع".
قسم الدراسات بالاتحاد "شخص وقدم عدة حلول للأزمة، ولكن للأسف لم يتم أخذها بعين الاعتبار
وأكد السميري أن الحوار الاجتماعي "منعدم تماما بين السلطة والإتحاد، وأن الهيئة الإدارية الجهوية بتونس تعتبر سلطة قرار ثانية بعد الهيئة الوطنية، وقد ارتأت في اجتماعها في 4 سبتمبر الحالي تفعيل قرار الإضراب العام، ولكن توقيته وزمنه المناسب يرجع إلى الهيئة الوطنية، وهي التي ستقرر موعده"، ورجح المصدر ذاته، وجود تحركات ووقفات وإضرابات جهوية حسب القطاعات، كل حسب مطالبه الخصوصية والاتفاقيات التي لم تفعل.
وأضاف أن التونسيين عاشوا على وقع صائفة غير مسبوقة من حيث انقطاع الكهرباء والماء مما أنهك الشعب التونسي، مؤكداً أن "تحميل المسؤولية للغير، وخطابات التخوين والتآمر لم تعد مجدية، ولابد أن تتحمل السلطة مسؤوليتها".
وبين السميري أن قسم الدراسات بالاتحاد "شخص وقدم عدة حلول للأزمة، ولكن للأسف لم يتم أخذها بعين الاعتبار"، مشيرا الى أن الدولة تمر بأزمة، ولكن هناك أشياء يمكن القيام بها لإصلاح الأوضاع.
مسؤولية تاريخية
بدوره، قال رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، بسام الطريفي إن الرابطة وهيئة المحامين عقدا عدة اجتماعات مع اتحاد الشغل وتم الوقوف على مدى تدهور الواقع المعيشي للتونسيين، وتراجع المرافق العمومية من كهرباء وماء، وتراجع الحقوق والحريات.
وبين الطريفي في حديث لـ"العربي الجديد " أن المنظمات الحقوقية الكبرى لابد أن تتحمل مسؤوليتها في تنسيق الجهود وتنظيم التحركات المشتركة، ولذلك تم إصدار بيان أولي في انتظار خطوات قادمة كتنظيم تحرك وطني الأسبوع القادم، وهو تحرك مفتوح لبقية المنظمات والجمعيات".
وأضاف أنهم سيتحملون المسؤولية التاريخية "في التصدي لهذا الانحراف بالسلطة"، مبينا أن هذه المنظمات هي التي سبق وقادت تجربة الرباعي الراعي للحوار في 2013.
"قلعة صامدة"
من جهتها، قالت الناشطة الحقوقية والرئيسة السابقة لجمعية النساء الديمقراطيات، والنقابية نائلة الزغلامي في حديث لـ"العربي الجديد " إن اتحاد الشغل "يظل قلعة صامدة للدفاع عن الحقوق الاجتماعية والمدنية"، مبينة أن أي مبادرة وأي خطوة من قبل اتحاد الشغل لا يمكن سوى تثمينها، مشيرة إلى أن اتحاد الشغل التقى مؤخرا مع هيئة المحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لحلحلة الأزمة، "حيث تم الإعلان في 3 سبتمبر عن إطلاق إطار تنسيقي مشترك للدعوة إلى حوار وطني ومجتمعي شامل في تونس".
وأشارت إلى أن الإتحاد "برصيده النضالي وقدرته على التعبئة وبقواعده المتواجدة في جل الجهات قادر على تغيير موازين القوى"، مشيرة إلى أن القواعد الجهوية للاتحاد "غاضبة في ظل غياب المفاوضات الجدية، وفي ظل تدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية، وبالتالي فإن الدفاع عن منظوري الإتحاد وعموم التونسيين لا يكون إلا باستعادة الدور، والتواجد في الواجهة من أجل تلبية المطالب الاجتماعية والدفاع على حياة كريمة للتونسيين".
سببان للتململ
إلى ذلك، قال القيادي في حركة النهضة، محسن السوداني في حديث لـ"العربي الجديد" إن دخول الإتحاد العام التونسي للشغل على خط الاحتجاج والتململ يعود إلى سببين، الأول، أنه أدرك، ولو بعد قدر من التأخير، أن المسار الذي سلكته البلاد بعد 25 يوليو/ تموز 2021 قد فاقم الأزمات وعمقها، وأن الانقلاب لم ينجز شيئا مما وعد به، "بل إن البلاد الآن تمرّ بأسوأ فترة في تاريخها من غلاء الأسعار وتزايد البطالة والفقر واليأس الاجتماعي والانحراف والجريمة والعزلة الدبلوماسية، هذا فضلا عن الانسداد السياسي وقمع الحريات، وهي حقائق يعلمها الإتحاد جيدا"
وأضاف السوداني أن السبب الثاني أن "هذا الموقف جاء أيضا كرد فعل على التهميش الذي طال الإتحاد، حيث إنه فقد مكانته ودوره التقليديين في السياسة العامة للدولة سواء في الحوار الاجتماعي أو حتى في التدخل في التركيبة الحكومية، كما هو حاله في كل مراحل الحكم قبل الثورة وبعدها.
وتابع أنه بخصوص قدرة الإتحاد من عدمها على التأثير في ضغط الشارع والرفع من وتيرة الاحتجاج على السلطة، فإنّ ذلك "يصطدم في الحقيقة بعقبتين، الأولى اهتراء سمعة المنظمة وتراجع مصداقيتها لدى الأوساط الشعبية كما لدى بعض منتسبيها، وذلك على خلفية الدور السلبي للمنظمة خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، وهذا يحتاج جهدا إيصاليا كبيرا لترميم الصورة واستعادة الثقة، كما أنّ الخلافات الداخلية أثرت على وحدة الإتحاد وتماسكه، وكل ذلك يمثل عبئا وعقبة أمام التعبئة، فضلا عن تصدّر القيادة السياسية أو الاجتماعية لكل حراك معارض".
أما العقبة الثانية حسب قيادي النهضة "فهي مخلفات الخطاب الإيديولوجي الذي ما زال إلى الآن يقوم بفرز سلبي في علاقته بالأحزاب السياسية، حيث تأتي بعض التصريحات من بعض النقابيين غير مشجعة ولا تبعث على التفاؤل".
سباب عودة الاتحاد للمشهد
إلى ذلك، يرى المحلل السياسي زهير إسماعيل في تصريح لـ"العربي الجديد" أن عودة الاتحاد إلى المشهد ودخوله بقوة على خط أزمة البلاد في ظل تداعياتها الكارثية، "هو مستجد حقيقي، بعد ما عرفته المنظمة الشغيلة من انكفاء نتيجة موقف السلطة الرافض لكل شراكة ولتفاقم أزمة الإتحاد الهيكلية منذ المؤتمر الاستثنائي غير الانتخابي في يوليو 2021".
وأكد إسماعيل أن لهذه العودة مستويان مهمان، إذ لا يخفى وقوع الإتحاد بين أزمته الداخلية التي اجتهد في التعافي منها مع مؤتمر المنستير في شهر مارس/ آذار2026 الأخير واستهداف السلطة المتواصل ولو بطريقة سلبية له من خلال إنهاء دوره باعتباره شريكا وطرفا أساسيا في المفاوضات الاجتماعية، مبينا أن المؤتمر الأخير مكن الاتحاد من تجديد القيادة تجديدا جذريا ساعد على تجاوز ما أثاره المؤتمر الاستثنائي من انقسامات أفقية وعمودية داخل المنظمة.
وأفاد أن علاقة الإتحاد كانت دوما محكومة بعلاقة الدولة بالهامش المفقر وانتفاضاته الدورية فيما يشبه القانون الاجتماعي.
وبين أنه مع الانقلاب في 25 يوليو 2021، "لم يدرك الإتحاد مع قيادته الإيديولوجية المنحدرة من مؤتمر طبرقة (ديسمبر 2011) أن المستهدف ليس النهضة وشروط بناء الديمقراطية وإنما المستهدف هو الدولة، ولم تدرك القيادة هذا رغم عملية الهدم التي طالت أهم مؤسساتها الدستورية الديمقراطية، وقدرت حينها أن الاتجاه العام يدفع نحو حياة سياسية من دون الإسلاميين مثلما كان عليه الأمر مع نظام بن علي".
وأكد المتحدث أن القيادة الحالية تبدو أنها مدركة لأهداف الانقلاب وغاياته، فضلا على أن السياسة التي توخاها الانقلاب واحتداد الأزمة واكتفائه بإدارتها كانت كافية للفت انتباه القيادة الجديدة إلى متغيرات المشهد ومآلاته، فكانت المنظمة جزءا من "الإطار التنسيقي المشترك" إلى جانب الهيئة الوطنية للمحامين بتونس والرابطة التونسية لحقوق الإنسان. ويهدف هذا الإطار إلى مواجهة الأزمات والدفاع عن الحريات، مبينا أنه دفاع غير معلن عن دولة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة المهددة.
العربي الجديد

