حول تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس...
مقالات راي 28 جويلية 2026

حول تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس...

بقلم: ameurayed

تونس والجزائر تجمعهما علاقة تاريخية واستراتيجية، أثبتت على امتداد العقود أنها رصيد مهم لاستقرار البلدين والمنطقة، ولا يمكن لأي طرف حريص على مصلحة تونس أن يقلل من قيمة هذه الأخوة أو من أهمية التعاون بين الدولتين.

وفي هذا الإطار، فإن كل موقف يؤكد الحرص على أمن تونس واستقرارها يُستقبل بإيجابية من حيث المبدأ، خاصة في ظل التحديات الإقليمية المشتركة التي تواجه البلدين. غير أن ذلك لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أن مستقبل تونس، وخياراتها السياسية، ومسارها الديمقراطي، هي شأن يقرره التونسيون وحدهم، في إطار سيادتهم الوطنية واستقلال قرارهم.

إن أمن تونس والجزائر أمن مترابط لا يقبل التجزئة، وهو يقوم على قاعدة راسخة قوامها احترام سيادة كل دولة وإرادة شعبها. فلا يمكن أن يتحقق استقرار دائم في أحد البلدين إذا قام على إضعاف الشرعية السياسية أو مصادرة الإرادة الوطنية في البلد الآخر.

لقد واجهت تونس منذ سنة 2011 تهديداً إرهابياً خطيراً، وكان واضحاً أن هدفه لم يكن تونس وحدها، وإنما اتخاذها جسراً لتهديد الجزائر والمنطقة. وقد خاضت الدولة التونسية وقواها الوطنية معركة طويلة ضد هذا الخطر، دفاعاً عن أمن تونس، كما عن أمن الجزائر واستقرارها، دون أن يحظى ذلك بما يستحقه من إدراك أو إسناد إقليمي. واليوم، ونحن نتقاسم مع الجزائر الوعي بخطورة هذا التهديد، فإن من الضروري أن يتسع هذا الوعي ليشمل أيضاً مصادر التهديد الأخرى التي تمس استقرار تونس، وفي مقدمتها الأزمة السياسية العميقة التي تعيشها البلاد.

ولو أن هذا الإدراك كان حاضراً منذ انقلاب 25 جويلية 2021، وتم التعامل معه باعتباره مصدر تهديد للاستقرار المشترك، لكان ذلك أكثر اتساقاً مع منطق المصلحة الاستراتيجية التي تجمع الشعبين والدولتين.

أما اليوم، ونحن نخوض في تونس نضالاً سلمياً من أجل استعادة الإرادة الشعبية، وإعادة بناء المؤسسات الدستورية، وصيانة الاستقرار الذي باتت تهدده سياسات السلطة قبل أي طرف آخر، فإن مثل هذه التصريحات، مهما كانت دوافعها، تخلّف من الالتباس أكثر مما تبني من الثقة، وتثير من التساؤلات أكثر مما تقدم من الطمأنة.

ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على أفضل العلاقات مع الجزائر الشقيقة يقتضي أيضاً احترام حساسية الرأي العام في البلدين، والحرص على أن تبقى العلاقات الثنائية قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم إعطاء أي انطباع يمكن أن يُفهم على أنه تدخل في الشأن الداخلي، مهما كانت النوايا طيبة.

إن الدور الإيجابي الذي يمكن أن تضطلع به الجزائر، انطلاقاً من مكانتها الإقليمية وحرصها المعلن على استقرار تونس، لا يكون بالاصطفاف مع طرف في الأزمة الداخلية، وإنما بالمساعدة على تهيئة الظروف التي تيسر خروج تونس منها عبر حل سياسي يفضي إلى استعادة الشرعية الدستورية، وإطلاق حوار وطني جامع، واحترام إرادة التونسيين.

فاستقرار تونس لا يتحقق بتثبيت الأمر الواقع، وإنما بمعالجة الأسباب العميقة للأزمة. وأخطر هذه الأسباب اليوم هو الانقسام المجتمعي والسياسي الحاد الذي غذته سياسات السلطة، وما ترتب عنها من تعطيل للمؤسسات، وإقصاء واسع، وتآكل للثقة بين الدولة والمجتمع. ومن ثم، فإن دعم أي مسار يكرس هذا الواقع لا يخدم الاستقرار المنشود، بل قد يفضي إلى تعميق الأزمة وإطالة أمدها.

إن تونس اليوم تحتاج إلى توافق وطني يعيد بناء مؤسساتها الديمقراطية ويخرجها من أزمتها، كما تحتاج إلى محيط إقليمي داعم لاستقرارها، وفي مقدمة ذلك الجزائر الشقيقة، على قاعدة الاحترام المتبادل، والتعاون، وعدم التدخل في الخيارات التي تبقى حقاً حصرياً للشعب التونسي.

إن مصلحة الجزائر، كما هي مصلحة تونس، تكمن في قيام دولة تونسية مستقرة وشرعية، تستمد قوتها من توافق شعبها ومؤسساتها، لا من استمرار حالة الاستقطاب والانقسام. ولذلك فإن أفضل دعم يمكن أن يقدَّم لتونس هو الإسهام في تهيئة مناخ يساعد التونسيين على التوصل إلى حل وطني جامع، لا ترجيح كفة طرف على حساب آخر.

إن ما يخدم المصالح العليا لتونس والجزائر معاً هو دعم حق الشعب التونسي في أن يحدد مستقبله بنفسه، في إطار دولة القانون والمؤسسات، بما يعزز استقرار تونس ويجعلها شريكاً أكثر قوة واستقراراً في محيطها المغاربي والإقليمي.

رياض الشعيبي

شارك هذا المقال:

حول تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن تونس... | أنساق