والمظاهرات تملأ شوارع تونس، هل ينتج التونسيون قيس سعيّد آخر، أم يستطيعون تقييد الحاكم القادم؟ بريطانيا، خلال عشر سنوات، عرفت سبعة رؤساء للوزراء؛ أي بمعدل رئيس جديد كل عام ونصف تقريبًا. فما الذي يجعل الحاكم يترك السلطة في بريطانيا، ويتشبث بها في العالم العربي؟
المشكلة ليست في أخلاق الحاكم البريطاني ولا في شهوة السلطة لدى الحاكم العربي؛ فالسلطة في كل مكان تميل إلى التمدد حتى آخر مساحة متاحة. الفارق أن رئيس الوزراء البريطاني يجد أمامه حزبًا يستطيع عزله، وبرلمانًا يحاسبه، وإعلامًا يطارده، وقضاءً مستقلًا، ومجتمعًا لا يعد خروجه من الحكم نهاية للدولة. أما الحاكم العربي، فكثيرًا ما يرث مؤسسات أُفرغت من قدرتها على مقاومته، فيجد الدستور قابلًا للتعديل، والبرلمان قابلًا للترويض، والقضاء قابلًا للاحتواء والمعارضة قابلة للسجن .
أسقط التونسيون زين العابدين بن علي عام 2011، لكن إسقاط الحاكم لم يتحول إلى بناء دائم لمؤسسات تكبح الحاكم التالي. وحين ضعفت هذه المؤسسات، تمددت الرئاسة داخل الفراغ، كما يتمدد الماء في إناء بلا حواجز.
لذلك لا يكفي تغيير قيس سعيّد، كما لم يكن إسقاط بن علي كافيًا. الثورة تغيّر شاغل القصر، أما الديمقراطية فتبني أبوابه ومخارجه. والسؤال ليس: من يأتي بعده؟ بل: هل يستطيع التونسيون بناء نظام يُدخل الحاكم إلى القصر، ثم يجبره على مغادرته حين تنتهي شرعيته؟
ويتسع السؤال إلى خارج تونس ، فأحاديث تغيير الدستور وغيرذلك كلها كلام فارغ في غياب مؤسسات كبح جماح الحاكم ، السيارة الرئاسية تحتاج الى فرامل والمجتمع هو من يتحكم في هذه الفرامل ، اما اي حديث آخر فهو مجرد الهاء وتغيير للموضوع من الجاد الى التافه .

